محمد غازي عرابي
894
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
كنا قد تحدثنا عن الولد وكونه إشارة إلى الولادة المعنوية الروحية لداود بعد أن دخل الخلوة ، وعاش الكشف والذوق والعرفان ، ولما تحقق داود بهذا نظر إلى النفوس من حوله ، ومنها نفسه ذاتها ، فشغل بها ، إذ تسمى هذه النفوس النفس الحيوانية ، ورمز إليها بالصافنات الجياد ، وكنا قد ذكرنا كيف تكني العرب ، وما قاله الوراق في تفسير النعاج . فالموحد مدعو بصوت ذاتي هو اليقين إلى طي أرض الأجساد وسماء المعقولات والتوجه إلى الواحد الأحد ، وعدم الانتباه إلى ما سواه ، وهذا ما فعله داود عندما شغل بالكثرة عن الوحدة حتى توارت بالحجاب ، وهي الشمس ، والإشارة إلى الذات الكلية المتوارية بالحجاب كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الحجب ، وعندما انتبه سليمان مما هو فيه جعل يقطع أعناق الخيل وأرجلها ، والإشارة إلى إسقاط الكثرة حكما وإبراز الواحد حكما ، لأن هذه الأعداد لا وجود لها إلا بالواحد ، وهي مضاعفاته ليس غير . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ ( 34 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) [ ص : 34 ، 35 ] فتنة عليه السّلام سليمان كانت أنه تزوج بامرأة كانت تعبد الصنم من غير علمه في داره ، والإشارة إلى عبادة النفس المتوجهة بدورها إلى عبادة الصور والكثرة ، ولقد ترك سليمان خاتمه لدى امرأته لقضاء حاجته ، والإشارة إلى سر التوحيد الذي يحمل الموحد بذوره معه منذ نفخ الروح فيه وهو في بطن أمه ، ثم يهبط إلى عالم الحسيات الممثل في المرأة ، والناس لا يعرفون العارف بعد أن يعرف ، بل يعرفونه شخصا مثلهم يأكل مما يأكلون ، ويشرب مما يشربون ، فإذا خرج عليهم العارف بعلمه أنكروه ، وهذا ما حدث لسليمان الذي خرج إلى الناس يقول لهم ها أنذا ، ولكن جنيا سبقه ، وأخذ الخاتم من امرأته ، وخرج إلى الناس في صورة سليمان ، والإشارة إلى ما يفعله المعقول إذ يلبس الجسد ، ويخرج إلى الناس على أنه إنسان ، وماله من جوهر الإنسانية شيء ، لأن الإنسانية ممثلة الإنسان الكامل الواحد في النوع والجوهر والماهية ، والذي هو حامل ختم المعقولات والصور لا بديل له . فسليمان عليه السّلام من دون خاتم التوحيد لا دور له ، وهو بالخاتم وحده ملك مؤيد مظفر ، كما تكون الأنبياء والأولياء ، ولقد كان ملك سليمان عظيما ، وأوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، وسخر اللّه له الشياطين تبني له وتغوص . . والإشارات كلها إلى الإنسان الكامل الذي تعين كما تعينت حقيقة محمد في ظهوره ، فإذا العالم كله طوع أمره ، وإذا باطن العالم من المعقولات يؤيده ، وتفعل له المعقولات ما يريد من رفع قواعد الصفات الإلهية الظاهرة في صور العالم نفسه .